الشيخ الأنصاري
217
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
خلاف الحالة السابقة إذ يصير حينئذ كالشبهة المحصورة فتأمل . وخامسا سلمنا العلم الإجمالي بوجود الطريق المجعول وعدم المتيقن وعدم وجوب الاحتياط لكن نقول إن ذلك لا يوجب تعيين العمل بالظن في مسألة تعيين الطريق فقط بل هو مجوز له كما يجوز العمل بالظن في المسألة الفرعية . وذلك لأن الطريق المعلوم نصبه إجمالا إن كان منصوبا حتى حال انفتاح باب العلم فيكون هو في عرض الواقع مبرئا للذمة بشرط العلم به كالواقع المعلوم مثلا إذا فرضنا حجية الخبر مع الانفتاح تخير المكلف بين امتثال ما علم كونه حكما واقعيا بتحصيل العلم به وبين امتثال مؤدى الطريق المجعول الذي علم جعله بمنزلة الواقع فكل من الواقع ومؤدى الطريق مبرئ مع العلم به فإذا انسد باب العلم التفصيلي بأحدهما تعين الآخر وإذا انسد باب العلم التفصيلي بهما تعين العمل فيهما بالظن فلا فرق بين الظن بالواقع والظن بمؤدى الطريق في كون كل واحد منهما امتثالا ظنيا . وإن كان ذلك الطريق منصوبا عند انسداد باب العلم بالواقع فنقول إن تقديمه حينئذ على العمل بالظن إنما هو مع العلم به وتمييزه عن غيره إذ حينئذ يحكم العقل بعدم جواز العمل بمطلق الظن مع وجود هذا الطريق المعلوم إذ فيه عدول عن الامتثال القطعي إلى الظني فكذا مع العلم الإجمالي بناء على أن الامتثال التفصيلي مقدم على الإجمالي أو لأن الاحتياط يوجب الحرج المؤدي إلى الاختلال . أما مع انسداد باب العلم بهذا الطريق وعدم تميزه عن غيره إلا بإعمال مطلق الظن فالعقل لا يحكم بتقديم إحراز الطريق بمطلق الظن على إحراز الواقع بمطلق الظن . وكأن المستدل توهم أن مجرد نصب الطريق ولو مع عروض الاشتباه فيه موجب لصرف التكليف عن الواقع إلى العمل بمؤدى الطريق كما ينبئ عنه قوله وحاصل القطعين إلى أمر واحد وهو التكليف الفعلي بالعمل بمؤديات الطرق وسيأتي مزيد توضيح لاندفاع هذا التوهم إن شاء الله تعالى . فإن قلت نحن نرى أنه إذا عين الشارع طريقا للواقع عند انسداد باب العلم به ثم انسد باب العلم بذلك الطريق كان البناء على العمل بالظن في الطريق دون نفس الواقع ألا ترى أن المقلد يعمل بالظن في تعيين المجتهد لا في نفس الحكم الواقعي والقاضي يعمل بالظن في تحصيل الطرق المنصوبة لقطع المرافعات لا في تحصيل الحق الواقعي بين المتخاصمين .